يحيي بن حمزة العلوي اليمني
114
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقرب مكانهم منه ، وتحتوى على استعارات خمسة ، فاستعار الشعار ليدل به على الاختصاص بالرسول ، والملاصقة له في حسبه ، واستعار الخزنة ليدل به على أنهم الحافظون لعلوم الشريعة والمهيمنون عليها ، واستعار الأبواب ليدل به على أنه لا توجد الفضائل في العلوم إلا من جهتهم ، وأنهم بمنزلة الأبواب لها ، واستعار قوله لا تؤتى البيوت إلا من أبوابها ، دالا به على أن أخذها من جهة غيرهم خلاف العادة المألوفة وعكس للأمر وإبطال لحقيقته ، واستعار قوله فمن أتاها من غير بابها كان سارقا ، ليدل به على أن كل من أخذها من غيرهم فقد ظلم وتعدى وأساء كالسارق ، لأنه أخذ ما لا يملكه فاستعار هذه الألفاظ لما ذكرناه من تلك المعاني ، ومن ذلك ما قاله في معرض التهكم والتوبيخ لبنى أمية إن بنى أمية يفوقوننى بمال الله ، والله لئن عشت لهم لأنفضنهم نفض اللحام الوذام التربة » وفي كلام آخر « التراب الوذمة » فاستعار التوفيق للأكل قليلا قليلا ، أخذا من فواق الناقة ، وهو الحلبة بعد الحلبة ، وقوله لأنفضنهم نفض اللحام ، استعارة لتفريق شملهم والتنكيل بهم ، واللحام ، هو القصاب ، والوذام هي القطع من الكرش ، واحدتها وذمة ، والتربة التي تقع على الأرض فإذا نفضها اللحام تناثر التراب منها أسرع ما يكون وأقصاه عنها ، فأما قوله عليه السلام : التراب الوذمة ، فهو من القلب الذي قد رقى في غايتى الفصاحة والبلاغة ، وهذه الاستعارة دالة على أنه مبالغ في قطع الدابر منهم ، واستئصال الشأفة بالتفريق لجموعهم ، والإهانة لقدرهم ، ولله در أمير المؤمنين ما أصلب قناته في الدين ، وأشد غضبه في الله ، وأعظم عداوته لأعدائه . ومن ذلك كتابه إلى ابن عباس وهو عامله بالبصرة " اعلم أن البصرة مهبط إبليس ومغرس الفتن فحادث أهلها بالإحسان إليهم ، وأحلل عقدة الخوف عن قلوبهم . وقد بلغني تنمرك على بنى تميم وغلظتك عليهم ، وإن بنى تميم لم يغب منهم نجم إلا طلع لهم آخر . فالمهبط ، والمغرس استعارتان بليغتان لموضع البدع والشرور ومخالفة أمر الله تعالى ، وإثارة الفتن ، ومعصية إمام الحق ، وقوله فحادث أهلها بالإحسان إليهم ، استعارة ، وقوله وأحلل عقدة الخوف عن قلوبهم ، استعارة أخرى للأنس لهم وتقرير خواطرهم . وقوله وقد بلغني تنمرك على بنى تميم ، استعارة للوحشة وشراسة الأخلاق . وقوله وغلظتك عليهم ، استعارة أيضا للإعراض وضيق النفس عليهم ، وقوله وإن بنى تميم لم يغب منهم نجم إلا طلع لهم آخر ، استعارة لبقاء الرئاسة فيهم ، وأنه لا يزال فيهم من في حياته نفع للإسلام وعز وكهف .